الإحصاء في ليبيا: مسيرة علمية وتنموية
مقدمة
يلعب علم الإحصاء دورًا حاسمًا في دعم التخطيط واتخاذ القرار والتنبؤات العلمية في مختلف المجالات؛ من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم والبيئة. وفي ليبيا، مع تنامي الحاجة إلى بيانات دقيقة، تطور الإحصاء عبر مؤسسات رسمية، وبرامج تعليمية، وإسهامات بحثية من قبل أكاديميين ليبيين، رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد.
1. الإحصاء كمهنة ومنهج علمي
الإحصاء هو علم جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها بشكل يُمكّن صناع القرار من فهم الأنماط والاتجاهات والارتباطات بين المتغيرات المختلفة. يتضمن الإحصاء العديد من الفروع مثل الإحصاء الوصفي، الاحتمالات، الإحصاء الاستدلالي، نماذج الانحدار، تحليل السلاسل الزمنية، تصميم التجارب، وتحليل البيانات الكبيرة.
2. المؤسسات الإحصائية في ليبيا
2.1 مصلحة الإحصاء والتعداد
تُعدّ مصلحة الإحصاء والتعداد الجهة الرسمية المسؤولة عن جمع ونشر البيانات الرسمية في ليبيا، بما في ذلك البيانات الديموغرافية، الاقتصادية والاجتماعية. تُصدر المصلحة بيانات دورية محدثة حول المؤشرات الأساسية مثل السكان، البطالة، الأسعار، والناتج المحلي … وغيرها من المؤشرات الحيوية للتخطيط الوطني.
تهدف الاستراتيجيات الوطنية الحديثة إلى تحسين جودة الإحصاءات وتحديث النظم والتقنيات المستخدمة في جمع البيانات بما يتلاءم مع المعايير الدولية، وهي خطوة أساسية في بناء قدرات وطنية قوية في الإحصاء.
3. التعليم الأكاديمي في الإحصاء في ليبيا
في العقود الماضية، أدركت الجامعات الليبية الحاجة إلى تخصصات إحصائية قوية قادرة على تلبية حاجة السوق الوطني للخبرات التحليلية. لذا، ظهرت برامج بكالوريوس وماجستير في الإحصاء وعلوم البيانات في عدد من الجامعات.
3.1 جامعة سبها
تضم قسم الإحصاء بجامعة سبها (كلية العلوم) برنامجاً معتمداً في علم الإحصاء، ويعدّ مركزًا لتخريج كوادر متمكنة في التحليل الإحصائي، جمع البيانات، واستخدام البرمجيات الإحصائية في مجالات متعددة.
3.2 البرامج في جامعات أخرى
قسم الإحصاء في جامعة طرابلس وقسم مشابه في جامعة الزاوية يُقدّمان برامج تعليمية وأبحاثاً في الإحصاء تطوّع الطلاب نحو تطبيقات عملية في مجالات الاقتصاد، التخطيط، والصحة.
4. الباحثون والأكاديميون الليبيون في الإحصاء
رغم أن النشر العلمي الدولي في الإحصاء من ليبيا ليس بوفرة ما هو في الدول المتقدمة، إلا أن هناك باحثين ليبيين لهم أدوار بارزة في التعليم والأبحاث التطبيقية. من بين هؤلاء:
4.1 د. السعيدي م . الطاهر
هو أستاذ مشارك في قسم الإحصاء بجامعة سبها، متخصص في الإحصاء الرياضي وتحليل السلاسل الزمنية ونماذج الانحدار، وله أعمال بحثية منشورة حول نماذج هجينة وتطبيقات الإحصاء في تحليل السلاسل الزمنية غير الثابتة.
-
يُعرف عنه اهتمامه بتطوير استخدام أساليب إحصائية متقدمة مثل التحليل الموجي (wavelets) وطرق الانحدار المجمّع في الدراسات التطبيقية، و يرتكز في أعماله على المنهجيات الإحصائية وتحليل البيانات بشكل عام.
-
لديه عدة منشورات بحثية (حوالي 11 منشورًا على ResearchGate)، تشمل مقالات علمية في تطبيقات إحصائية متقدمة.
4.2 د. محمد عبد السلام عمر
-
أستاذ في الإحصاء بجامعة طرابلس، متخصص في الإحصاء الاقتصادي وتحليل بيانات سوق العمل، وله بحوث تطبيقية حول تأثير المتغيرات الاقتصادية على البطالة في ليبيا باستخدام نماذج إحصائية حديثة. (مثال: تحليل أثر GDP، التضخم، وغيرها من المتغيرات على البطالة).
4.3 د. علي الخوجة
-
باحث في قسم الإحصاء بكلية العلوم، معروف بأسهامات في تصميم المسوح الإحصائية وتحليل البيانات الاجتماعية بهدف دعم الدراسات السكانية في ليبيا.
5. الإسهامات العلمية والبحثية
على الرغم من التحديات، ساهم الإحصائيون الليبيون في:
-
نشر دراسات تطبيقية حول استخدام الأساليب الإحصائية في تحليل البيانات الاقتصادية والاجتماعية.
-
تدريس منهجيات حديثة مثل نماذج الانحدار وتحليل السلاسل الزمنية في جامعات مثل سبها، طرابلس، والزاوية.
-
المشاركة في المؤتمرات وورش العمل العلمية داخل ليبيا وخارجها لتعزيز ثقافة التحليل الإحصائي.
6. التحديات التي تواجه الإحصاء في ليبيا
6.1 ضعف البنية التحتية للبيانات
يعاني الإحصاء في ليبيا من قلة تحديث الأنظمة وجمع البيانات في الوقت الحقيقي، خاصة في مسوح العمل والصحة والتعليم، مما يضعف دقة النتائج واستجابتها للسياسات.
6.2 تمويل محدود للنشر العلمي
قلة الدعم المالي للنشر في مجلات علمية دولية تُحدّ من انتشار البحوث الليبية عالمياً، رغم الجودة المحتملة للأبحاث المحلية.
6.3 الحاجة لتطوير قدرات العاملين
هناك حاجة مستمرة إلى تدريب الإحصائيين في تقنيات تحليل بيانات حديثة مثل علوم البيانات والتعلم الآلي (Machine Learning) لتعزيز وظائف الإحصاء في القطاعات المختلفة.
خاتمة
الإحصاء في ليبيا أصبح أكثر أهمية في السنوات الأخيرة مع زيادة الحاجة لبيانات دقيقة لصنع القرار في السياسات العامة. من خلال مؤسسات رسمية، وبرامج تعليمية، وأبحاث قائمة على منهجيات إحصائية حديثة، استطاع المتخصصون أن يسهموا في بناء أساس علمي قوي، رغم التحديات الكبيرة. وبالتالي، يبقى الاستثمار في الإحصاء والتعليم والبحث العلمي من أولويات النمو والتقدم في السنوات القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق
اترك أثرك